شهدت الدبلوماسية المغربية خلال سنة 2025 نقلة نوعية عززت من موقع المملكة كفاعل وازن وموثوق داخل منظومة العلاقات الدولية متعددة الأطراف. فانسجامًا مع الرؤية الملكية التي تقوم على الطموح والنجاعة وروح التضامن، نجح المغرب في توطيد حضوره الدولي من خلال مقاربة تجمع بين وضوح الإختيارات الإستراتيجية والقدرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام العالمي.
وطيلة سنة 2025 ، واصل المغرب إنخراطه المسؤول والدائم في دعم التعددية الفعالة، بما يراعي عمق التحديات الدولية الراهنة. وقد تُرجم هذا الإنخراط في دينامية غير مسبوقة من الترشيحات الناجحة والإنتخابات والتعيينات في مناصب قيادية داخل منظمات دولية وإقليمية، وهو ما يعكس الثقة المتجددة التي تحظى بها المملكة ومصداقية إسهاماتها في معالجة القضايا العالمية الكبرى.
وتجلت هذه الدينامية في تحقيق حصيلة متميزة شملت أزيد من خمسين منظمة وآلية دولية وإقليمية، في مجالات متعددة من بينها السلم والأمن، ونزع السلاح، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والحكامة الإقتصادية، والتكنولوجيا، والنزاهة العمومية، والنقل، والثقافة، والعلوم والرياضة.
وسجلت سنة 2025 إختراقات لافتة عززت إشعاع المغرب الدولي ورسخت ريادته داخل الهيئات متعددة الأطراف، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. ومن أبرز هذه المحطات، تولي المملكة لأول مرة رئاسة الدورة الثامنة والستين للجنة إستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية، إضافة إلى رئاستها للمجلس الدولي للجمعيات النووية للفترة 2025-2026، وتعيينها رئيسًا لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بإرساء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
كما أنتخب المغرب لأول مرة لرئاسة الشبكة الدولية لهيئات الوقاية من الفساد، وحقق تقدمًا نوعيًا في مجال الحكامة البحرية الدولية من خلال توليه منصب النائب الأول لرئيس جمعية المنظمة البحرية الدولية للفترة 2026-2027، مع الحفاظ على حضوره داخل مجلس المنظمة وشغل منصب نائب رئيس إضافي.
وعززت المملكة مكانتها الثقافية والعلمية بإنتخابها لأول مرة لرئاسة المجلس الإداري لمعهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة، ورئاسة المجلس الدولي للزيتون لسنة 2026، إلى جانب عضويتها في المجلس الإداري للإتحاد البريدي العالمي.
وعلى المستويين البرلماني والقضائي الدوليين، تميزت سنة 2025 بإنتخاب المغرب لأول مرة لعضوية مكتب اللجنة الدائمة للديمقراطية وحقوق الإنسان التابعة للإتحاد البرلماني الدولي ، فضلاً عن إنتخاب قاضٍ مغربي نائبًا لرئيس الجمعية الدولية للقضاة ، في سابقة منذ تأسيسها سنة 1953.
كما تعزز حضور المغرب في مجال النزاهة والحكامة بإنضمامه إلى اللجنة التنفيذية للجمعية الدولية لهيئات مكافحة الفساد، وانتخابه عضوًا في اللجنة التوجيهية للشبكة الإقليمية لإسترداد الأصول غير المشروعة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتندرج هذه الإنجازات في سياق إستمرارية الدينامية الإيجابية التي إنطلقت خلال سنة 2024، خاصة بعد تولي المغرب رئاسة مجلس حقوق الإنسان ، وهو ما كرس إعترافًا متزايدًا بالمملكة كفاعل هيكلي داخل المنظومة متعددة الأطراف.
وأكدت سنة 2025 كذلك تجديد الثقة في المغرب لتحمل مسؤوليات إستراتيجية داخل منظمات كبرى، من بينها المنظمة البحرية الدولية والإتحاد البريدي العالمي، حيث توجت هذه الثقة بتولي مناصب نائب الرئيس داخل عدد من الهيئات، من ضمنها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومجلسها التنفيذي.
وعلى صعيد السلم والأمن الدوليين، واصل المغرب أداء دوره الفاعل من خلال رئاسته لتشكيلة جمهورية إفريقيا الوسطى بلجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى إنتخابه عضوًا في المجلس التنفيذي لليونسكو للفترة 2025-2029، وتحقيقه أعلى نسبة تأييد داخل مجموعته، فضلاً عن عضويته في مجلس منظمة الطيران المدني الدولي.
وفي مجال الأمن الغذائي، جسدت إعادة إنتخاب المغرب لعضوية مجلس منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) للفترة 2026-2029، وانتخابه عضوًا في مجلس إدارة برنامج الأغذية العالمي، مؤكدا إلتزامه العملي بمواجهة تحديات الجوع وتعزيز الأمن الغذائي والمرونة الفلاحية.
أما في قضايا البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، فقد برز دور المغرب من خلال إنتخابه نائبًا لرئيس مجلس الوزراء الأفارقة للماء عن منطقة شمال إفريقيا، ومشاركته في اللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية التابعة لليونسكو، والسلطة الدولية لقاع البحار، بما يعكس إلتزامه بحماية الموارد الطبيعية العالمية.
كما عزز المغرب مكانته كقطب للإستقرار الإقليمي عبر توليه الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للإتحاد الإفريقي، ومشاركته النشطة في الهيئات المتخصصة للإتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، لاسيما في مجالات العدالة والطاقة والماء والسياحة.
ومن المؤشرات الدالة على تطور الحضور المغربي سنة 2025، تنامي الإعتماد على الخبرة الوطنية في القضايا المستجدة، حيث أثبتت المملكة قدرتها على إستباق التحولات العالمية ، خاصة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الإصطناعي والأمن السيبراني.
وفي هذا الإطار، جاء إنتخاب المغرب عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الرقمي ، ونائبًا لرئيس فريق خبراء الإنتربول في مجال الجرائم السيبرانية ، ونائبًا لرئيس فريق العمل المؤقت المعني بالذكاء الإصطناعي بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ليؤكد مساهمة المملكة الفعالة في النقاش الدولي حول الإستخدام الأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيات الحديثة.
كما رسخت سنة 2025 دور المغرب كقوة للتقريب وبناء التوافقات الدولية، من خلال إضطلاعه بمهام الرئاسة والتيسير والتنسيق في قضايا عالمية محورية، سواء داخل الفضاء العربي أو الإفريقي أو الأطلسي.
وبفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، كرّس المغرب مكانته كوسيط موثوق داخل الأمم المتحدة، حيث إضطلع بمهام التسيير المشترك لقمة التنمية الإجتماعية لسنة 2025، ولقرار الأمم المتحدة بشأن حالات الإختفاء القسري ، إضافة إلى دوره كـ“دولة محورية” في المؤتمر العالمي الأول حول الإختفاء القسري، ونائب رئيس مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات.
ويؤكد مجموع هذه الإنجازات المكانة المتقدمة التي بات يحتلها المغرب كفاعل مسؤول وموثوق في حكامة النظام الدولي متعدد الأطراف، ودليلًا على الثقة الدولية المتجددة في دبلوماسية مغربية قائمة على القيم ، واضحة الرؤية، وقادرة على ممارسة قيادة بناءة وفعالة على الساحة العالمية.





