افتتح صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، خلال جلسة رسمية احتضنها مقر البرلمان بالعاصمة الرباط، بحضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.
ووجّه جلالة الملك خطاباً سامياً إلى أعضاء مجلسي البرلمان، مجلس النواب ومجلس المستشارين، في محطة دستورية وسياسية تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى تزامنها مع انطلاق ولاية تشريعية جديدة، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر 2026، وفي سياق المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة.
وتبرز أهمية هذه المحطة في كونها لا تقتصر على افتتاح دورة برلمانية جديدة، بل تشكل مناسبة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة، واستحضار مسؤولية المؤسسات المنتخبة في مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
الشراكات الدولية بين التعاون وصيانة القرار السيادي
ومن بين القضايا التي تناولها الخطاب الملكي، ملف الهجرة والتعاون مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم إسبانيا، حيث برز التأكيد على أن الشراكات التي تجمع المغرب بمحيطه الدولي تقوم على الاختيار السيادي والمصالح المتبادلة، ولا ينبغي أن تتحول إلى مجال للابتزاز أو ممارسة الضغوط.
وتحمل هذه الرسالة، في بعدها السياسي والدبلوماسي، دلالات تتجاوز التدبير التقني لملف الهجرة، لتؤكد تمسك المغرب باستقلالية قراره في علاقاته الخارجية، مع مواصلة نهج التعاون المسؤول في مواجهة القضايا المشتركة. فالمعادلة التي يطرحها هذا التوجه تقوم على التوفيق بين الوفاء بالالتزامات الدولية وحماية المصالح الوطنية، بعيداً عن منطق الإملاءات أو المقايضة السياسية.
تخليق الحياة السياسية واستعادة ثقة المواطنين
وعلى المستوى الداخلي، يكتسي التشديد على الالتزام السياسي والأخلاقي للمنتخبين أهمية بالغة، خصوصاً في أعقاب الاستحقاقات الانتخابية التي أفرزت مؤسسات تمثيلية جديدة. فالمسؤولية البرلمانية، وفق هذا المنظور، لا تنتهي عند الفوز بالمقاعد أو تشكيل الأغلبية، وإنما تبدأ فعلياً من خلال القدرة على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة.
ويضع هذا التوجه الأحزاب السياسية والبرلمانيين أمام اختبار حقيقي يتمثل في مدى قدرتهم على الارتقاء بالممارسة السياسية، وتغليب المصلحة العامة، وتعزيز التواصل مع المواطنين، بما يساهم في ترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة.
كما أن الرهان على التخليق السياسي يظل مرتبطاً بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي عناصر أساسية لضمان ممارسة ديمقراطية تستجيب لتطلعات المجتمع وتدعم مصداقية العمل المؤسساتي.
الجهوية المتقدمة ودولة الأثر.. من التدبير إلى النتائج
وشكل التأكيد على تفعيل الجهوية المتقدمة وترسيخ مفهوم «دولة الأثر» محوراً مهماً في النقاش حول أولويات المرحلة المقبلة. فالتحدي لم يعد يقتصر على إطلاق البرامج والمشاريع، بل أصبح مرتبطاً بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو التعليم أو الصحة أو تحسين الخدمات الأساسية وتقليص الفوارق المجالية.
وتطرح الجهوية المتقدمة، في هذا السياق، ضرورة تعزيز أدوار الجهات والجماعات الترابية، وتطوير آليات التنسيق بين مختلف مستويات التدبير العمومي، بما يسمح بتوجيه الاستثمارات نحو الحاجيات الفعلية لكل منطقة.
أما «دولة الأثر»، فتجعل من النتائج المحققة معياراً لتقييم السياسات العمومية، بدل الاكتفاء بحجم الاعتمادات المالية المرصودة أو عدد البرامج المعلن عنها. وهو ما يقتضي اعتماد مؤشرات واضحة للقياس والتقييم، وتحديد المسؤوليات، وربط الإنجاز بمدى انعكاسه الإيجابي على الحياة اليومية للمواطنين.
ولاية تشريعية جديدة أمام رهانات سياسية واجتماعية
ويأتي افتتاح السنة التشريعية في مرحلة تتطلب من المؤسسة البرلمانية الاضطلاع بأدوارها الدستورية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، بالتوازي مع المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة.
وتبدو المرحلة المقبلة محكومة بضرورة تحقيق التوازن بين تدبير الاستحقاقات السياسية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، في ظل مطالب متزايدة بتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز العدالة المجالية، ورفع فعالية التدخلات الحكومية.
وبذلك، يشكل افتتاح السنة التشريعية الثانية عشرة بداية مرحلة جديدة من العمل المؤسساتي، سيكون معيار نجاحها الأساسي هو قدرة المؤسسات المنتخبة والحكومة المقبلة على الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى الإنجازات القابلة للقياس، ومن تدبير الملفات اليومية إلى بناء سياسات عمومية ذات أثر مستدام في حياة المواطنين.





