كشفت الأحداث الرياضية الأخيرة عن ثغرة مستمرة: صعوبة صياغة سردية وطنية متماسكة في مواجهة خطابات معادية. في عصر الاتصال الفائق، لم يعد التحكم في الصورة مجرد كمالية دبلوماسية، بل صار شرطاً أساسياً لفرض التأثير.
لقد كانت الأسابيع الأخيرة بمثابة كاشف حقيقي؛ لم تكن مجرد محطة رياضية عابرة، بل كشفت عن خلل أعمق غالباً ما تحجبه النتائج الإيجابية. ما حدث حول كأس أفريقيا الأخيرة ليس مجرد سلسلة من السجالات، بل هو إشارة إنذار واضحة.
لقد انتقل المغرب إلى أبعاد جديدة على المستويين القاري والدولي، وهذا التحول يولد الاحترام والانتظارات، لكنه يثير أيضاً المقاومات. في هذا السياق، لم يعد الصمت أو الانفعال كافيين لحماية صورتنا؛ بل تُحمى الصورة بالاستباق، والانسجام، والتحكم في السردية. إن الدفاع عن صورتنا اليوم لم يعد مجرد مسألة “تواصل”، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز سيادتنا الإعلامية.
ومع ذلك، ثمة واقع يفرض نفسه: فبينما اعتمدت أطراف أخرى استراتيجيات إعلامية مهيكلة، ظل رد فعلنا مجزأً، دفاعياً في أغلب الأحيان، أو غائباً تماماً في أحيان أخرى. هذا الفراغ استغلته سرديات معادية، أو سطحية، أو منحازة بشكل علني، انتشرت دون رد كافٍ. التحدي اليوم لا يقتصر على قول الحقيقة فحسب، بل في جعلها مسموعة داخل تدفق رقمي تعطي فيه “خوارزميات” التواصل الأولوية للإثارة على حساب الدقة والتحليل.
هذا القصور لا يتحمله طرف بعينه، بل يشمل المنظومة برمتها؛ من إعلام تقليدي يفتقر للأدوات اللازمة لمواجهة الديناميات الدولية، إلى حضور عشوائي في منصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى مواطنين مخلصين لكنهم لا يدركون تماماً مدى تأثير كلماتهم في عالم شديد الترابط. الجميع يتحرك، لكن نادراً ما يكون هناك تنسيق.
المسألة إذن ليست في البحث عن كبش فداء، بل في الإقرار بواقع جديد: العالم الإعلامي اليوم يخضع لقواعد مختلفة، حيث تزن “الصورة الذهنية” أحياناً بقدر ما تزن الحقائق. الإيقاع سريع، والسرديات تُبنى وتُكرر حتى تترسخ. في هذا الإطار، يصبح الارتجال عبئاً، والعاطفة الخام فخاً، والردود المتأخرة اعترافاً بالضعف.
يمتلك المغرب أوراقاً قوية: حضوراً اقتصادياً وازناً في أفريقيا، شراكات ملموسة، مصداقية مؤسساتية، وتاريخاً قارياً مشروعاً. لكن هذه المكتسبات، إذا لم يتم شرحها ووضعها في سياقها ضمن خطاب واضح، تفقد الكثير من تأثيرها.
لقد حان الوقت لفتح تفكير جماعي؛ ليس حول جدوى جذورنا الأفريقية، فهي خيار استراتيجي ثابت، بل حول كيفية الدفاع عن هذا الخيار في الفضاء العام. الهدف ليس المباهاة بالهوية، بل ممارسة “البيداغوجيا” الإعلامية؛ ليس التصادم العقيم، بل التأثير المدروس. لا تسعى هذه الاستراتيجية إلى فرض حقيقة اصطناعية، بل إلى منح نجاحاتنا صوتاً يشبهنا: صوت صادق، بناء، ومتطلع للمستقبل.
إن هذا الوعي لا يهدف إلى تقييد حرية التعبير أو توحيد الآراء، بل يدعو إلى نضج جديد. يدعو إلى استيعاب أن كل كلمة تُنشر، وكل صورة تُتداول، وحتى كل صمت، يساهم في تشكيل الإدراك العالمي عنا.
الأمم العظيمة لا تترك صورتها للصدفة؛ بل تستثمر في التكوين، واليقظة، والتنسيق، والذكاء الجماعي. والمغرب لن يشذ عن هذه القاعدة إذا أراد الحفاظ على مكتسباته وترسيخ مكانته.
هذه اللحظة تستوجب غضباً أقل وبصيرة أكثر، ردود فعل أقل واستراتيجية أكثر. إن إصلاح علاقتنا بالمعلومة وبالنقاش الرقمي لم يعد ترفاً، بل أصبح شرطاً للانسجام مع الطموحات التي تعلنها بلادنا وتتحمل مسؤوليتها. فمغرب الغد لن يُبنى فقط بصلابة بنيته التحتية، بل بوضوح خطابه وقوة أفكاره.





